الفروق بين الأذكياء
والأغبياء من حيث نظرتهم إلى العالم
بقلم د. عبد الحكيم محمد بن بريك
جامعة حضرموت - اليمن
يبدو أن ما ينتبه إليه الإنسان وينشغل به يتوقف تماما على
مستوى ذكائه او نسبة ذكائه (معامل الذكاء IQ) فكلما
كان مستوى ذكاء الإنسان مرتفع، كلما كان أكثر تركيزا بالتفاصيل الدقيقة. أما الإنسان
ذو الذكاء المنخفض فلا يلمح في الأشياء إلا ظاهرها وكبيرها او ما كان متضخما فيها.
وعلى سبيل المثال فان الذكي ينتبه إلى ملاحظة الذبابة القابعة على جسم الفيل أما
نظرته إلى الفيل نفسه فهي نظرة عرضية عابرة. هذه النتيجة المتعارضة هي خلاصة ما
توصل إليه علماء نفسيون من جامعة روتشستر(University of Rochester)
الأمريكية بعد سلسلة من الدراسات التجريبية التي أجروها على عينة من المتطوعين
عددهم 65 فرد من الجنسين من ذوي معامل ذكاء يتراوح بين 80 الى 140. حيث شاهد أفراد
العينة أفلام فيديو لمجسمات بيضاء وسوداء متنوعة المعايير تتحرك في اتجاهات
مختلفة، يختفي ويظهر بعضها بين الفينة والأخرى. صمم ذلك بحيث ترفرف المجسمات
الكبيرة منها في مركز المجال البصري فتكون عملية رصدها عند الظهور أسهل ما تكون عن
باقي المجسمات. أما المجسمات الصغيرة فتجمعت في الأطراف التي تبدو من خلفية
الصورة. تحرك القطع على الشاشة كان بشكل فوضوي وعفوي للغاية، تطلب ذلك من
المشاركين بذل جهودا كبيرة لتحديد مسارات المجسمات في أسرع وقت ممكن - من اليسار
إلى اليمين أو من أعلى إلى أسفل. واتضح أنه كلما ارتفع معدل ذكاء المشارك، كلما
كان ذلك أفضل في إكسابه القدرة على تعقب الأجسام الصغيرة في الخلفية وكلما كان
معامل الذكاء متدن لدى المشارك كلما مكنه ذلك بشكل أفضل من تحديد
الكائنات الكبيرة على الشاشة.
وقد
فسر رئيس الفريق البروفسور دوي تادين Duje Tadin
ذلك بأن ارتفاع معدل الذكاء يساعد الدماغ على ترشيح (فلترة) المعلومات بشكل أفضل
ولهذا يبدو الأذكياء أكثر انتباها للتفاصيل.
في
بعض الحالات، يكون لذلك قيمة حياتية، على سبيل المثال ما ينجم عن ذلك من قدرة
الشخص على التركيز والعمل على الكمبيوتر رغم ازدحام المكان. وكذا قدرة آخرين على
العمل على الميكروسكوب والتمييز بين الكائنات الدقيقة وما يعتريها من خصائص
وعوارض.
ومع ذلك فلهؤلاء الأذكياء المدققون سلبياتهم في بعض الحالات.
فالقدرة
على تجاهل "الفيل" تؤدي
إلى حقيقة أن هؤلاء الناس هم غير متوافقين مع الحياة اليومية. وليس من العبث ان
يظهر في بعض الأفلام السينمائية بروفسورا او مبدعا يلعب دور المجنون الأشعث القذر
الذي يعيش في منزل تسوده الفوضى. ولكنه
في نفس الوقت يعرف كيف يقيم أبيات شعرية بارعة أو الكشف عن مكنونات لوحة عبقرية
غامضة الملامح.
نستحضر
من مخزون ذاكرة التاريخ العديد من ضروب المواقف التي عاشها بعض العباقرة فقد كان
الفيلسوف الفرنسي ديدرو ينسى الأيام والشهور والسنوات وأسماء أحبائه وأقربائه.
أما الفيزيائي الشهير أمبير فقد خرج ذات
مرة من شقته وقد كتب على بابها لأحد أعزائه : "أمبير سيكون في المنزل فقط في
المساء". لكنه عاد إلى منزله في وقت سابق من النهار. فقرأ
"المكتوب" على الباب فعاود أدراجه من حيث أتى . ناسيا أنه هو نفسه
أمبير. وهناك
حادثة مشهورة لنيوتن، بعد أن قرر سلق بيضة، تناول الساعة، وضبط الوقت وبعد بضع
دقائق وجد أنه يقبض على البيض بيده وانه قام بطهي الساعة. وبسبب انشغال باله، عندما كان عالم الفيزياء
العظيم يكتب أعماله، كان ينسى ارتداء ملابسه وتناول طعامه. ألبرت
آينشتاين، هو الآخر حين التقى صديقه ذات يوم، وقال له بذهول "تعال وزرني في المساء. ولسوف يكون في ضيافتي البروفسور ستيمسون ، فبدت
علامات الحيرة على وجه صديقه الذي قال : "ولكني أنا ستيمسون بنفسه "فأجاب أينشتاين:"
لا يهم، على كل فلتأتي!"
لذلك
يحتاج العباقرة الى مساعدين مخلصين، من شأنهم أن يلاحظوا وجود الفيل في الوقت
المناسب وبذلك لن يتركوا العبقري يموت تحت أقدام هذا الفيل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق